سهيلة عبد الباعث الترجمان
473
نظرية وحدة الوجود بين ابن عربي والجيلي
للسالك في الوصول إلى اللّه تعالى ، وقول الجنيد هذا إنما يشير إلى أن طريق الحق غير محدود ، وليس طريقا معينا منفردا ، وليس طريقا واحدا ، بل كما يراه أهل الطريق هو طريق منفتح يوصل من سلك فيه إلى اللّه تعالى « 1 » . ولهذا قيل إنّ الطرق كلها مسدودة لا يمكن السلوك منها إلى اللّه تعالى لعدم إيصالها إليه بسبب ردّ السالك فيها وصدّه عن بلوغ غايتها . والمراد بهذه الطرق الشرائع والأديان والمذاهب المخالفة ، وليس من طريق سوى طريق اللّه ، فهو موصل للسالك فقط . يتضح لنا مما سبق أن ابن عربي لم يلتزم بطريق معين في الوصول إلى اللّه ، وقد تعددت أمامه المجالي والمظاهر ، فوجد في كل منها طريقا إلى عبادة اللّه وأولها اقتفاء أثر الرسول فيما جاء به من طرق العبادة ، فلم يجعل الأديان دينا واحدا ، بل جعل الطرق المؤدية إلى عبادة اللّه متشبعة متعددة ، وتظهر وحدتها في نقطة التقائها وهو اللّه الواحد الأحد ، وكلها موجهة لعبادته وطاعته ، ولذلك كان اهتمامه بالمضمون أي بمحتوى الأديان وليس بمظاهر عبادتها وطرقها ، وليس في ذلك ما يستوجب تكفيره والتجريح بأقواله في توحيده للعقائد جميعها وإيمانه بها طالما أنها تهدف جميعها إلى عبادة اللّه ووحدانيته ، فنجد ابن تيمية مثلا يقف موقف الناقد من مقالة ابن عربي " عقد الخلائق في الإله . . . " فيرى أن ما انطوى عليه هذا البيت هو التناقض ، ولا يمكن الجمع بين المتناقضين في الاعتقاد كي لا يلزم عن صدق قضية ما كذب قضية أخرى فيبطل الاعتقاد ويفسد ، ولهذا لا يمكن الجمع بين القضيتين المتناقضتين ، وفي هذا خروج على رأي الصوفية الذين يقولون أنه يثبت عندهم بالكشف الصريح ما يخالف العقل ، لأن العقل قاصر عن إدراك ما يدركه الكشف ويعرفه الذوق ، ومن هنا كان الجمع بين القضيتين المتناقضتين ممكنا « 2 » . كذلك يقف المقبلي « * » من الصوفية القائلين بوحدة الأديان ، ومن ابن عربي خاصة موقف الناقد لقوله بالجمع بين العقائد المختلفة ، ودعوته
--> ( 1 ) النابلسي ( عبد الغني ) ، الحديقة الندية ، شرح الطريقة المحمدية ، مصدر سابق ، ص 118 . ( 2 ) المصدر السابق ، ص 119 . ( * ) صالح بن مهدي ، ( 1047 - 1108 ه ) من أعيان الفقهاء ، ولد في مقبل من بلاد اليمن وتوفي في مكة ، من كتبه العلم الشامخ .